حين نزور مدن العالم ونتأمل مساجدها، كثيراً ما يُشار إلى طرازها المعماري بوضوح؛ فنسمع عن المسجد الأندلسي أو الفاطمي، في دلالة على هوية حضارية ومعمارية ارتبطت بزمن ومكان؛ وفي المقابل يبرز تساؤل مشروع ونحن في المملكة العربية السعودية، مهد الرسالة المحمدية وأرض أول مسجد في الإسلام: لماذا لا يكون لنا طراز معماري واضح ومعتمد للمساجد والجوامع، يُعرف مستقبلاً باسم “الطراز السعودي” ويجمع بين الأصالة والهوية والانسجام مع البيئة المحلية؟
المسجد في الإسلام ليس مجرد مبنى تؤدى فيه الصلاة، بل هو مركز عبادة وتربية واجتماع، ومرآة تعكس ثقافة المجتمع ووعيه وهويته؛ ومن هنا فإن عمارة المسجد تحمل بعداً حضارياً يتجاوز الشكل الخارجي، ليصل إلى التعبير عن القيم الإسلامية في البساطة والاعتدال والانسجام مع المحيط؛ وقد ترك النموذج الأول للمسجد، مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة، أثراً عميقاً على عمارة المساجد في الجزيرة العربية، حيث تجلت البساطة والابتعاد عن التكلف، والاعتماد على المقاييس المتواضعة والمواد المحلية، وهي سمات استمرت قروناً طويلة وشكلت لغة معمارية خاصة بهذه الأرض.
وعند تأمل المساجد التاريخية في مناطق المملكة المختلفة، نلحظ ثراءً معمارياً كبيراً نشأ بفعل عوامل متعددة، كالمناخ والبيئة والمواد المتوفرة والثقافة المحلية، ومع ذلك بقيت جميعها وفية للروح البسيطة التي انطلقت من المسجد الأول؛ فقد تطورت الطرز المعمارية في الحجاز وسواحل البحر الأحمر وتهامة وجبال السروات ونجران وعسير والجوف، وكل منطقة صاغت مسجدها بما يتلاءم مع ظروفها، دون أن تفقد جوهر عمارة المسجد الإسلامية. وتشير الدراسات الميدانية إلى وجود ما يقارب 1300 مسجد تاريخي في المملكة، تمثل كنزاً معمارياً يعكس تنوع الهوية ووحدة الرسالة.
ورغم هذا الإرث الغني، فإن كثيراً من المساجد الحديثة اليوم تُشيّد دون مرجعية معمارية واضحة، أو تتأثر بأنماط مستوردة لا تنسجم مع البيئة المحلية ولا تعكس الخصوصية السعودية، ما أوجد حالة من التباين البصري وغياب الهوية الجامعة؛ ومن هنا تبرز أهمية طرح فكرة اعتماد طراز سعودي للمساجد، لا على سبيل النسخ أو التوحيد الجامد، بل بوضع إطار معماري عام يحدد السمات الأساسية للمسجد السعودي في تصميمه وزخرفته ومآذنه وقبابه ونوافذه ومحاريبه، مع ترك مساحة للاجتهاد المعاصر؛ كما يمكن أن يقوم هذا التوجه على اعتماد طرز إقليمية مستمدة من المساجد التاريخية في كل منطقة، بحيث يكون لكل إقليم نموذج مرجعي يحتذى به في البناء الحديث، فتصبح مساجد نجد مثلًا مستلهمة من جامع الإمام تركي بن عبدالله في الرياض أو جامع الديرة في محافظة شقراء، بينما يُستفاد في منطقة الجوف من مسجد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في دومة الجندل، وفي بقية المناطق من نماذجها التاريخية العريقة. وبهذا نحقق معادلة التوازن بين الوحدة في الهوية والتنوع في التعبير المعماري.
إن تبني الطراز السعودي في عمارة المساجد لن يكون مجرد خيار جمالي، بل خطوة حضارية تعزز الانتماء، وتحفظ الإرث العمراني، وتمنح مدننا ملامح متجانسة، وتقدم للعالم نموذجاً معمارياً نابعاً من هذه الأرض المباركة؛ فالمملكة بما تحمله من مكانة دينية وتاريخية، وبما تشهده من نهضة عمرانية شاملة، قادرة على أن تؤسس مدرسة معمارية للمساجد تُنسب إليها، ويُشار إليها مستقبلاً في كتب العمارة العالمية بأنها “الطراز السعودي”.
ويبقى السؤال مطروحاً أمام المعنيين بالعمارة والتخطيط والهوية: هل يأتي اليوم الذي نقف فيه أمام مسجد جديد فنقول بثقة واعتزاز، إنه بُني على الطراز السعودي؟ الإجابة ليست بعيدة، متى ما اجتمع الوعي بالفكرة مع القرار بتبنيها.
مبارك بن عوض الدوسري
@mawdd3